عدنان زرزور

41

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

لقد مرت البشرية - كما يلاحظ الكثيرون من مؤرخي الحضارات ، وكما أكّده المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي رحمه اللّه - بأكبر تجربتين حضاريتين في التاريخ : التجربة الرومانية ، والتجربة الإسلامية . وقد كانت الحضارة الأولى متجلية بالروح الإمبراطورية التي تقسم الإنسان أو الناس إلى مواطن روماني يتمتع بكامل الحقوق ، وإلى غير مواطن مسلوب من جميع الحقوق وعلى هذا الأساس حكمت وقنّنت وعالجت ومنحت ، وهي وإن أخفقت في معالجة مشكلات الإنسان قديما ، فقد أتيح لها أن تبدو في صورة جديدة تتمثل في الحضارة الغربية المعاصرة التي أخذت من تلك الحضارة الرومانية روحها الاستعمارية ، وتشرّبت مبادئها ، وكثيرا من نظراتها الجوهرية ؛ بعد أن تخطّت الحضارة الإسلامية التي جاءت في أعقاب الحضارة الرومانية وزاحمتها ، وأزاحتها عن مقعد السيادة على مسرح التاريخ ! وتهمنا هنا الإشارة إلى أن الروح الاستعمارية في هذه الحضارة الأوروبية مساوية للروح الإمبراطورية التي عاشت عليها الحضارة الرومانية القديمة . في حين أن روح الحضارة الإسلامية ، أو المبرر الذي عاشت عليه هذه الحضارة يتمثل في روح المساواة التي جاء بها القرآن الكريم ونطق بها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأكدها في آخر خطبه الجامعة في حجة الوداع « . . . كلكم لآدم وآدم من تراب . . . لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض فضل إلّا بالتقوى » . يضاف إلى ذلك أن النظرة إلى الوجود المتمثلة في مبدأ الإيمان باللّه الواحد القهار - وما يتبع ذلك وينبني عليه من النظر إلى الكون والحياة والإنسان - هي التي أعطت للحضارة الإسلامية طابعها الخاص ، وجعلتها - من قبل - قادرة على أن تهضم وتتمثل - ولا تذوب بالطبع - في تيار العقائد والمذاهب التي كانت سائدة في « بيئة » الحضارة الإسلامية . وهي البيئة التي شهدت في الواقع أعرق الحضارات القديمة في بلاد الشام والرافدين ووادي النيل وبلاد فارس . . . ولا مجال هنا للإفاضة في هذه الجوانب المتشعبة من البحث ، ولكن نكتفي